أحد المحاور الرئيسية في ورشة الترجمة الأدبية: خارج الغابة (أو داخلها) هو التفكير في الترجمة بمفهومها الأوسع، وعدم حصر إشكالياتها في الثنائية القطبية لنص أصلي ونص مترجم، لغة مصدر ولغة هدف، مؤلف ومترجم. في هذا السياق، اطََّلعنا خلال مقال سوزان باسنيت ?When is a Translation Not a Translation على أشكال متعددة من النصوص المكتوبة التي تتحدى التعريف التقليدي للترجمة، ثم ناقشنا نموذج رومان جاكبسون الذي تتجاوز الترجمة فيه اللغة المكتوبة، لتشمل النقل من وسيط إلى آخر في ترجمة بين سيميائية Intersemiotic translation، ومن أمثلتها الترجمة من الوسيط المسموع إلى المرئي في لغة الإشارة، أو من المرئي إلى المسموع في الوصف السمعي، وتتسع لتشمل ترجمة قصيدة إلى مقطوعة موسيقية، أو لوحة إلى قصة، إلخ.
ثم طُلِب من المشاركين ترجمة قصة House Taken Over للكاتب خوليو كورتاثر من الإنجليزية إلى أي وسيط بصري أو سمعي يختارونه، ما عدا ترجمتها إلى قصة قصيرة بالعربية، ليتحول تركيزهم من المفردات والأسلوب إلى أثر النص عليهم كقراء وما يعنيه لكل منهم، وفيما يلي نماذج نتجت عن هذا التدريب.
عاليا

يقدِّم الكولاج تفسيرًا دينيًا وخلاصيًا للقصة القصيرة. شعرت أنَّ القصة رحلة صعود عبر الدائرة الأولى من جحيم دانتي (الليمبو) بدلًا من الهبوط، حيث يبدو أنَّ البطل وأخته عالقان في الليمبو. يُصوِّر الكولاج صعودهما التدريجي والتحرر من الشلل داخل منزلهما، إذ يعبران الباب الخشبي الضخم، الذي يمثل بوابة بين الليمبو والعالم الخارجي، فيتركان وراءهما جميع ممتلكاتهما الدنيوية؛ كتبه وكرات خيوطها. وفي النهاية، يصعدان إلى الجنة مجازيًا من خلال التحرر من حالتهما المجمدة، ودخول عالم جديد من الإمكانيات دون إمكانية العودة إلى الماضي، لهذا السبب، يتخلص البطل من المفتاح. على الرغم من أنَّ القصة تميل نحو رعب المجهول، اخترت أن يكون تفسيري مختلفًا من خلال هذا المثال على الترجمة بين السيميائية.
فاطمة سعد الدين
انتابتني حين قرأت النص للمرة الأولى رغبة في ترجمة المعنى الأكبر الذي استشعرته من القصة لا التفاصيل، وذهبت في نهاية القصة إلى شعورين: الأول هو كيف أنَّ المساحات الأسرية الحميمة والدافئة التي تجمع أفراد البيت الواحد تتقلص وتقل بمرور الزمن، وتتناوب فصول الزمن عليهم، والثاني -وهو الأكثر إلحاحًا- قضية التهجير القسري وما يفعله بأبدان المُهجّرين وأرواحهم، وفي هذا المقطع مشهد تمثيلي وجدت أنَّه خير مقابل لما استشعرته من رسالة النص، والحالة الشعورية وراءه.
خلود كساب
في رحلتي داخل «المنزل المُحتل»، قررتُ أن أهجر الكلمات قليلًا وأطرق أبواب الموهبة المدفونة ولله الحمد في عالم الغُنا. اكتشفتُ «سونو» Suno، ذلك الرفيق الذي أذهلني حقًا؛ فبضغطة زر، وهبني إمكانية إبداعي لموسيقى تصويرية غامرة تحيط القارئ بالأجواء التي تخيلتها تمامًا. لكنَّ العقبة يا عزيزي، بعد تجاوز «هلوسة» الآلة، أنَّ هذا الرفيق «اللي مش جدع» يبدأ بممالحتك وإغوائك، يُمنِّيك بثمرة عمله ويُسمعك طرفًا من السيمفونية حتى إذا ما طربتَ لها وانبسطت، توقف فجأة ليدخلك في «حِسبة» مادية، ويقطع عليك نشوة الطرب طلبًا للحساب؛ «أبِّجني تجدني.. سلام يا كُوروديا».
ومع ذلك، فهو يستحق؛ إذ تدرج بإحساسه ليواكب الحبكة والترقب في العديد من المقطوعات الموسيقية الخالصة من الكلمات، بل تجاوز ذلك ليكتب لي أغنيات كاملة لا تحكي القصة، بل «تحاكي» وجعها وتصف «كتمة النَفَس» داخل المنزل. هندستُ البرومبتات لتبدأ المقطوعات ببرود يجمِّد الأطراف، مع صوت «تكتكة» إبر الحياكة المعدنية التي تتوزع في أرجاء المكان، قبل أن يدخل بيانو وحيد يزج بالنغمات حتى تتعفن في الظلام.
مريم عرابي

اخترتُ الكولاج لأنَّه يتيح الفرصة لدمج الأفكار والصور والكلمات معًا؛ مزيج من المشاهد، أغلبها سينمائية، تمرُّ وتتشابك داخل رأسي عند قراءة عمل ما.
الأجواء الشبحية في بيت آشر لإدجار آلن بو1، وتداخل الأحلام والذكريات والواقع في مرآة أندريه تاركوفسكي2، والإيقاع البطيء والروتين الممل المُكرَّر في جين ديلمان3، والغرابة غير المريحة وما يعقبها من دمار في أم أرنوفسكي4، وهو ما يعيدني إلى الطبيعة الأم قبل وجود الإنسان في قصة وادي الذهب؛ أحد فصول ملحمة باستر سكراغز5، وأخيرًا صورة مرسومة لما تخلفه الحرب من دمار وركام6.
مجموعة متفرقة من المشاهد التي وَرَدت في ذهني أثناء القراءة وساعدني الكولاج على جمعها.
سهيلة زكريا

تلك اللوحة7 التي تبدو لأول وهلة صورة لفيلم رعب هي في الأصل مستوحاة من حياة الفنانة ريميديوز فارو8، مرسومة باستخدام الألوان الزيتية على قطعة من الورق المقوى (Oil on Masonite)، وذات طبيعة سريالية ترمز بكل عنصر فيها إلى رسالة تسمح للقارئ أن يتخيل معناها من منظوره الخاص وواقع حياته، فيصل له رسائل الفنانة وما مرت به من مشاعر9. واضح في عناصر اللوحة من الجدران العفنة والسجاد المتاّكل الجو العام للوحة وهو الحزن. هاجرت فارو إلى فرنسا ومُنعت من العودة لوطنها أسبانيا، ثم لجأت للمكسيك بسبب النظام النازي وقت احتلاله لفرنسا. تعبر اللوحة عن تلك الفترة في حياة الفنانة السريالية بالتوازي مع حياة الكاتب السريالي خوليو كورتاثر10. فهو الاّخر كان ضحية للاحتلال والحرب، إذ تأثرت حياته بسبب النظام القمعي في الأرجنتين، مما اّل إلى نفوره من حكومة خوان بيرون فاختار فرنسا كملجأ. بعد نجاح الديمقراطية في الأرجنتين استقبله على أرض الديار بحفاء أبناء وطنه قبل وفاته بعام. من منظور القارئ والمتأمل نرى الشئ المجهول المبهم الذي يسرق حرية السيدة في اللوحة وهوايتها رغم تمسكها بها، تمامًا مثل شخصية المحتل المجهول في القصة، فهو يحتل المنزل تدريجيا حتى يضطر الاخوة الى الفرار قبل أن تسلب كل أشكال حياتهم. أما ظهورها وحريتها كطيور ورقية وخيوط ملونة على عكس باقي عناصر الصورة يعطي شعورًا بالأمل. فهل يا ترى يستطيع أحفاد الفنانة والكاتب أن يعيشوا في أرض الوطن بسلام آمنين؟
- قصة The Fall of the House of Usher، تأليف إدجار آلن بو، ورسومات ويلفريد ساتي ↩︎
- Mirror (1974) من إخراج أندريه تاركوفسكي. ↩︎
- Jeanne Dielman, 23 quai du Commerce, 1080 Bruxelles (1976) من إخراج شانتال أكرمان. ↩︎
- Mother (2017). ↩︎
- The Ballad of Buster Scruggs (2018). ↩︎
- رسوم مبدئية لمسلسل الأنيمي Dusk Beyond the End of the World (2025). ↩︎
- ريميديوز فارو، أوراق ميتة (لوحة زيتية على ورق مقوى)، مجموعة خاصة، 1956. ↩︎
- Janet Kaplan, Unexpected Journeys: The Art and Life of Remedios Varo, Abbeville Press, 1988. ↩︎
- فرناندو بيسوا، مختارات شعرية (ترجمة المهدي أخريف)، الكتب خان، 2012. ↩︎
- Peter Standish, Understanding Julio Cortazar, University of South Carolina Press, 2001. ↩︎
كاتبة وصف صوتي ومترجمة هاوية.
مترجمة وقارئة شغوفة بعلوم اللغة وأبحاثها.
ما بين الأدب والألعاب، أنسج الحكايات بقلب شغوف.
مُترجمة من الإنجليزية إلى العربية، مهتمة بقراءة الأدب وبترجمته.
مترجمة، تدرس مجال اللغات والترجمة.
كاتبة ومترجمة، حاصلة على ماجستير في الترجمة السمعية البصرية.