1. أمُّ المحققة الصغيرة مفقودة
أمُّ المحققة الصغيرة مفقودة منذ زمنٍ طويل.
2. العالمُ السُفلي
فكِّر في العالم السُفلي باعتباره ظهر خزانتك، خلف كل حوامل الثياب تلك التي لم تعد ترتديها. تُدفعُ الأشياء دائمًا هناك وتُنسى. تملأ العالم السُفلي كل الأشياء التي نسيتَ أمرها. بعضها، إن أمكنك تذكُّره، قد ترغب في استرداده. الرحلات إلى العالم السُفلي يغلبُ عليها الحنين الجارف. المكان أكثر ظُلمة. الفُصولُ لا تتماشى مع الطقس. من ينتهي به المطافُ هناك، يكونُ ذلك صُدفة غالبًا أو لأنَّه لم يجد مكانًا آخر يذهب إليه. وحدهم الأبطال والمُحقِّقات الصغيرات مَن يذهبنَ إلى العالم السُفلي بمحضِ إرادتهنَّ.
3. ثلاثةُ صنوف من الأطعمة
الأوَّل هو الطعام الذي تعدُّه لك أمُّك. الثاني هو الطعام الذي تأكله في المطاعم. الثالث هو الطعام الذي تأكله في الأحلام. هناك نوع إضافي من الطعام، لكن ليس بإمكانك الحصول عليه إلا في العالم السُفلي، وهو ليس طعامًا بمعنى الكلمة. بل هو أشبهُ بالرقص.
4. المحققة الصغيرة تأكلُ الأحلام
المحققة الصغيرة ترفضُ تناول غدائها. أبوها والمُربِّية جرَّبا كل ما خطر على بالهما تقريبًا. يأخذها أبوها لتناول الطعام في الخارج؛ مطاعم الأكل الصيني، حتى إنَّه مرةً أخذها لتناول البُفتيك المقلي على طريقة بانيه الدجاج في استراحة طريق على بُعد ولايتين. طالما أحبَّت المحققة الصغيرة البُفتيك المقلي على طريقة بانيه الدجاج. ازداد وزن أبيها عشرة أرطال، في حين أن المحققة الصغيرة لا تطلبُ إلا كوبًا من الماء بدون شريحة ليمون حتى. رأيتهما مرةً في ذلك المطعم الجديد في وسط المدينة، كانت المحققة الصغيرة تطوي منديلها بينما يأكلُ أبوها. رحتُ أتفحص طاولتهما بعدما غادرا. كانت قد طوت منديلها على شكل بجعة. وضعتُه في جيبي مع الرغيف الذي كان غداءها وكيسَ سُكر. فكَّرتُ أن تلك الأغراض قد تصلحُ كأدلَّة.
تطبخ المُربِّية كلَّ صنوف الطعام التي طالما أحبَّتها المحققة الصغيرة. الفاصوليا الخضراء، والمكرونة بالجبن، والجزر الأبيض، والكُمَّثرى المطبوخة على البخار؛ اعتادت المحققة الصغيرة أن تأكل خضرواتها بالكامل. كانت المحققة الصغيرة تُحبُّ الخضروات. كانت تُنهي طبَقَها دائمًا. ترى المُربِّية تقول ليت أمُّها ما تزال هنا، ثُمَّ تتنهَّد. يتنهَّدُ أبوها. يسألانها ألستِ جائعةً ولو قليلًا؟ ألا تريدين ولو وجبةً خفيفة؟ لكنَّ المحققة الصغيرة تخلد إلى النوم جائعةً كل ليلة.
هناك جدلٌ مُثارٌ حول حاجة المحققة الصغيرة إلى تناول الطعام أصلًا. أيعقل أنَّها تأكلُ في الخفاء؟ أتكونُ مصابةً بفقدان الشهيَّة العصابي؟ أو الشره المرضي؟ هل تحاولُ الاحتجاج على أمر ما؟ ما الذي قد يستهويها إن طبخناه؟
أبذلُ قُصَارى جهدي للإجابة عن تلك الأسئلة بالتحديد. أحقِّقُ في أمر المحققة الصغيرة. أجلسُ فوق شجرةٍ في جهة الشارع المقابلة لنافذتها، وأرى التالي. تخلدُ المحققة الصغيرة إلى النوم جائعة، لكنَّها تأكلُ أحلامنا حين نكون نيامًا. لقد أكلتْ أحلامي. لقد أكلتْ أحلامكم، واحدًا تلو الآخر وكأنَّها حبَّاتُ عنب أو مَحَار. المحققة الصغيرة تزدادُ وزنًا بأحلام الآخرين.

5. الأصول الغامضة للمحققة الصغيرة
هناك من يقول إنها وهمية. لمَّح أحدهم من قبل إلى أنني قد أكون المحققة الصغيرة ولكنني لم أتيقن قط إن كان ذلك التلميح جديًا أم لا، لا أحسب أنني هي. لو كنت المحققة الصغيرة، لأدركت ذلك بالتأكيد.
6. المحققة الصغيرة تنقذ العالم
ليس على سبيل التباهي، لكن المحققة الصغيرة أنقذت العالم في ثلاثة مواقف منفصلة على الأقل.
7. المحققة الصغيرة لا تأبه للخيال
لا تقرأ المحققة الصغيرة كثيرًا، فليس لديها الوقت الكافي لذلك. كان أبوها يقرأ لها الحكايات الخرافية عندما كانت طفلة لكنها لم تستسيغها، فعلى سبيل المثال، قصة الأميرات الراقصات الاثنتي عشرة. لماذا لا يقرر والدهم منع صانع الأحذية الملكي من صناعة المزيد من أحذية الرقص لهن إن كان فعلًا يرغب في منع الأميرات من الرقص؟ لماذا عليهن النزول إلى العالم السفلي لكي يرقصن؟ ألا يمتلكن قاعة رقص؟ أيحببن الرقص أم يتنفسن الصعداء سرًا كلما فُضح أمرهن؟ من علمهن الرقص؟
شغلت الأميرات الراقصات الاثنتي عشرة بال المحققة الصغيرة كثيرًا، فبينها وبينهن بعض الأمور المشتركة. على سبيل المثال، جلد الأحذية، وربما الملابس الداخلية، وكذلك غياب الأم. هذا أمر آخر يخص الأدب الخيالي، وخاصة الحكايات الخرافية. الأم غائبة دائمًا تقريبًا. تتخيل المحققة الصغيرة فجأة كل هؤلاء الأمهات. جميعهن في مكان واحد. بعيدات، في مكان لا تستطيع الوصول إليه. يثير الأمر غضبها. ماذا تفعل كل هؤلاء الأمهات هناك؟
8. المحققة الصغيرة تبحث عن أمها
تبحث المحققة الصغيرة عن أمها منذ فترة طويلة، وهي لا تتوقع أن تجدها بسهولة، ففي نهاية المطاف، أمها أيضًا خبيرة تنكر. إن عجزنا عن التعرف على المحققة الصغيرة وقتما أتت للبحث عنا، فكيف ستتعرف هي على أمها؟
تراها أحيانًا في أحلام الآخرين. تقول أمها: «انظري كيف تحلم هذه المرأة بأسماك الزينة الذهبية»، فتستطعم المحققة الصغيرة السمكة وينكشف لها أمر ما: ربما قلب مجروح، أو مسألة تتعلق بالمال، أو عطلة توشك المرأة أن تأخذها أو ربما يانصيب توشك المرأة أن تربحه.
تظن المحققة الصغيرة في بعض الأحيان أنها لا تفهم مقصد أمها. ربما ما عليها أن تفهمه لا صلة له بالعطلات ولا القلوب المجروحة ولا اليانصيب ولا الوصايا المفقودة أو أي شيء من هذا القبيل، ربما تحاول أن تخبرها أمها بمكانها، وفي هذه الأثناء، تجمع المحققة الصغيرة الأدلة من أحلام الآخرين، بينما نطلب منها العثور على حيواناتنا الأليفة المفقودة، وأن تخبرنا ما إذا كان شركاء حياتنا صادقين، وأن تكشف لنا أصدقاءنا الحقيقيين وأن تسهر على العالم بينما نحن نيام.
في حوالي الثالثة فجرًا، فتحت المحققة الصغيرة نافذتها ونظرت إليّ وقد بدت أنها هي الأخرى تعاني من الأرق: «أما زلت فوق تلك الشجرة؟»
9. مزيد من الأصول الغامضة للمحققة الصغيرة
تقول الشائعات إنها ابنة لمبشرين، ترعرت على يد الذئاب، وإنها الأميرة أنستازيا، آخر ذرية آل رومانوف. في حين يقول بعضهم إنها رجل أصلًا. بينما يزعم آخرون أنها أتت من كوكب آخر، وأنها حين تجد ما تبحث عنه، فستعود إلى موطنها. ويأمل بعضهم أن تأخذنا معها.
إذا سألتَهم عما تبحثُ، فسيهزّون أكتافهم ويقولون: «اسأل المحققة الصغيرة.»
يقولون إنها تبلغ من العمر ألفي عام. ويدّعي بعض الناس إنها عدة فتيات وليست فتاة واحدة، أي أنها مجتمع سري من فتيات الكشافة. أو ربما أحد فروع وكالة التحقيقات الفيدرالية.
10. عشاء المحققة الصغيرة
تستلقي المحققة الصغيرة على فراشها وتغلق عينيها. ربما هي متعبة، أو لديها فضول.
الناس نيام في كل أرجاء المدينة، وفي كل أنحاء العالم. أجلس فوق شجرتي وأشعر بالتعب بمجرد التفكير بشأنهم. إنهم يحلمون بأطفالهم، يحلمون بأمهاتهم، يحلمون بأحبائهم. يحلمون بالطيران مثل العصافير. يحلمون بعالم مستدير كصحن على مائدة عشاء. يسقط بعضهم من العالم في الأحلام. ويحلم بعضهم بالطعام. تتجول المحققة الصغيرة في تلك الأحلام. تلتقط تفاحة من شجرة في حلم أحدهم. يحلم شخص آخر بمنزل طفولته. تكسر المحققة الصغيرة قطعة من المنزل. تسيل القطعة في فمها كعسل النحل.
تحلم جارتها في الحي بزوجها الثالث الذي هرب مع سكرتيرته. هذا ما تعتقده. خرج لكي يتناول وجبة ذات ليلة منذ خمس سنوات ولم يعد قط. حدث هذا منذ فترة طويلة. قالت سكرتيرته إنها لا تعلم شيئًا عن الأمر، لكن الجارة أدركت بحدسها أنها تكذب. أو ربما هرب والتحق بفرقة سيرك.
يعيش رجل في قبو منزلها، لكنها لا تعلم. لديه بالأسفل تلفاز، وثلاجة صغيرة، وأريكة ينام عليها. يعيش هناك في هدوء شديد منذ سنتين. يخرج كل ليلة لاستنشاق الهواء. لن تتعرف عليه المرأة إذا صادفته في الشارع. كانا متزوجين لمدة عشرين عامًا ثم ذهب لاستلام وجبة نودلز اللومين وفطائر الونتون والأرز المقلي بالجمبري، لكنه شرد عن المنزل منذ ذلك الحين. ما زالت سلسلة المفاتيح معه. وهي لم تنزل إلى القبو منذ سنين. يصعب عليها نزول الدَرَج.
يحلم الرجل أيضًا. يحاول استجماع شجاعته كي يصعد الدَرَج ويخرج من الباب الأمامي. يرى نفسه في الحلم خارجًا إلى الشارع ثم يلتفت. سيعود إلى باب المنزل ويضغط الجرس. ربما يتزوجان مرة أخرى في أحد الأيام. ربما لم ينفصلا قط. هو يحلم بشهر العسل. سيخرجان لتناول العشاء. أو سينزلان إلى القبو، ثم يدخلان إلى العالم السفلي عبر الباب المسحور. سيريها المعالم. وسيرقصان معًا.
تقضم المحققة الصغيرة قطعة من العالم السفلي.

11. ما لون شعر المحققة الصغيرة؟
يُقال إن المحققة الصغيرة شقراء، وآخرون يظنونها صهباء، فكيف لها أن تكون عادية؟ يبتسم أبوها ويرد بأنها تشبه والدتها بالضبط. أنا شخصيًا لا أظن أن المحققة تتذكر لون شعرها الحقيقي، فهي بارعة في التنكر. ينبغي علي إخباركم أن المحققة ومدبرة المنزل المسنة لم يرهما أحد في الغرفة نفسها أبدًا. كثيرًا ما شوهدت ووالدها يتعشيان بالخارج سويًا. أكرر، المحققة ماهرة في التنكر فبإمكانها فعل أي شيء.
12. لماذا عبرت المحققة الصغيرة الطريق؟
ظنًا منها أنها رأت أمها.
13. لماذا عبرت أم المحققة الصغيرة الطريق؟
ليس لدى المحققة فكرة!
كانت المحققة صغيرة جدًا عندما رحلت أمها، لا يتكلم عنها أحد. حتى أن سماع اسمها أو رؤيته مكتوبًا يؤلم والدها كثيرًا. يُحتمل أن المحققة الصغيرة سُميت على اسم والدتها ولذا ليس علينا أن نناديها به.
لم يستطع أحد إخبار المحققة الصغيرة بسبب رحيل والدتها. قد يكون سببًا مهمًا جدًا. لربما قد توفيت، فذلك سبب وجيه يكاد يدعو للمغفرة.
في غرفة المحققة الصغيرة صورة في إطارٍ ذهبيٍ صغير لسيدة طويلة مبتسمة ابتسامة طفيفة، وتقف على أطراف أصابعها. ذراعاها مفتوحتان تستقبلان الهواء الطلق. مرتديةً تنورة طويلة، وقميص بلا أكمام، وحذاء للرقص عفا عليه الزمن. تبدو وكأنها ترقص، حاملةً في يديها حزمة من القمح. تشك المحققة الصغيرة أنها والدتها، فتناظر الصورة ليلًا. يحلم الناس بما فقدوه سرقة أو ضياعًا، وفي كل تلك الأحلام تجد المحققة الصغيرة والدتها.
تذكر المحققة الصغيرة سيدة تتقدّمها بينما تمسك بيدها. قالت السيدة شيئًا ربما كان «انظري حولك قبل عبور الطريق» أو «اغسلي يديك بعد دخول الحمامات العامة دائمًا» أو ربما «أحبكِ» ثم خطت إلى الشارع. لا تدري المحققة الصغيرة ما حدث بعد ذلك. كان هناك شاحنة لونها مزيج بين الأحمر والذهبي تنعطف بسرعة كبيرة. يوجد في الشارع مطعم «تناول الطعام في مطعم ماما الصيني» أو ربما «تناول الطعام في موونز». ربما صدمت الشاحنة السيدة. ربما توقفت الشاحنة وركبتها السيدة. نادت المحققة باسم والدتها، ولم يرد عليها أحد.
14. المحققة الصغيرة تخرج لتناول الطعام
لا أترك شجرتي إلا لقضاء حاجتي. يشبه الأمر التخييم، لدي لفة مناديل حمَّام وجاروف صغير. في الليل أربط نفسي بفرع الشجرة عن طريق حبل، لكني في حقيقة الأمر لا أنام كثيرًا. تكون الساعة حوالي السابعة مساءً عندما تغادر المحققة الصغيرة منزلها.
أسألها فقط لأفتح حوارًا: «إلى أين تذهبين؟».
تخبرني أنها ذاهبة إلى المطعم الجديد في وسط المدينة، إن كان في الأمر ما يعنيني أصلا! تسألني إن كنت أريد الذهاب، لكن لدي خططي. أشعر بأن شيئًا ما غير طبيعي! هي تتخفى كفتاة شابة. عيناها نافذتان وتبرقان كثيرًا. أصيح وهي تبتعد: «هل يمكنك أن تحضِري لي معكِ طبقًا من الزلابية المطهوة على البخار؟».
وأرفع صوتي بعد أن ابتعدت: «وبعض الأرز الأبيض؟».
تتظاهر بأنها لا تسمعني. أتبعها بالتأكيد. تركب هي الأوتوبيس. أتسلق أنا بين الأشجار. الأمر ممتع نوعًا ما. أحيانًا لا توجد أشجار فاضطر للاكتفاء بأعمدة التلفون أو خزانات المياه. عموما أتجنب الأرض.
في مطعم «ماما» الصيني هناك شجرة تين صغيرة لطيفة في أصيص. أجلس فيها وأتأمل قائمة الطعام. أحاول تجنب عيني النادل. وهو شخص طويل ذا مظهر صارم. المحققة الصغيرة تبدو حائرة بين اللحم الملفوف والحبار المتوهج. في قائمة المقبِّلات توجد فطائر البصل الأخضر، ولفائف البيض بالجمبري، وفطائر الوانتون (طلبتُها مرات عديدة. لكن يتضح كل مرة أنها تُكتب «ونتون»)، وأيضًا فتيات راقصات. تطلب المحققة الصغيرة كوب ماء، بدون ليمون، ثم تسأل النادل: «من أين أنت؟».
يرد: «الصين».
تقول المحققة الصغيرة: «أقصد، أين تعيش الآن؟».
يقول: «الصين، أسافر يوميًا».
تحاول المحققة الصغيرة مرة أخرى: «منذ متى وهذا المطعم هنا؟».
يرد: «بعض الوقت، مدة طويلة. لا تنسي أن تغسلي يديك قبل الأكل».
15. المحققة الصغيرة تذهب إلى دورة المياه
في الطاولة المجاورة اثنتي عشرة سيدة يرتدين نظارات شمسية. ربما جلسنَ منذ مدة طويلة. يقفن، ويدخلن دورة مياه السيدات واحدة تلو الأخرى. تنتظر المحققة الصغيرة لدقيقة، ثم تتبعهن. أتبعها بعد دقيقة. لا أحد يوقفني. ولماذا على أحد أن يوقفني؟ أخطو بحذر من طاولة إلى أخرى. أنحني وراء باقات الزهور.
في دورة المياه لا توجد أي أشجار، لذلك أصعد على المجفف الكهربائي وأقعد محتضنًا رجليَّ المثنيتين ورأسي محنيّ. أحاول ألَّا ألفت الأنظار. هناك كابينة واحدة ولا أثر للاثنتي عشرة امرأة. ربما دخلن جميعًا الكابينة نفسها، لكنني أنظر من تحت الباب ولا أرى أقدامًا. المحققة الصغيرة تغسل يديها. تغسلها بعناية لمدة طويلة. بعدها تأتي وتجففهما. أسألها: «ماذا بعد؟».
تلمع عيناها بشغف. تدفع باب الكابينة بقدمها. الباب يُفتح. يرى كلانا أن الكابينة خالية. ليس بها حتى مرحاض. بدلًا من ذلك، كان دَرَج يتجه إلى الأسفل. يهب تيار هواء بارد. أكاد أصدق أنني أسمع تماسيح، تحتك وتزحف في مكانٍ ما في مؤخرة الدَرَج.
16. المحققة الصغيرة تنزل إلى العالم السفلي
بالطبع معها مصباح يدوي. إنها تقف على مقدمة الدَرَج وتنظر خلفها إليَّ، بينما ينعكس ضوء المصباح حول قدميها فيتلألأ كبركة من النور. تسأل: «هل ستأتي أم لا؟».
ماذا عساني أن أقول؟ أحببت المحقِّقة الصغيرة من جديد. أنزل من فوق المجفف، وأقول: «أعتقد ذلك».
نبدأ في نزول السلالم.
إن العالم السفلي هو كل ما رويته لك. إنه كبير بحق. لا نرى أي تماسيح، لكن هذا لا يعني أنها غير موجودة. إنه مظلم. وبارد بعض الشيء؛ لذا يسعدني أنني أرتدي سترتي الصوفية. هناك أشجار عليها طحالب. والطحالب تلمع. أتعلَّق بالأشجار، وأتمايل معها متنقلًا من غصن إلى غصن. كنت بارعًا دومًا في حصة الرياضة. وتتقدمني المحققة الصغيرة إذ تخطو بعزم، وقدماها الكبيرتان تتلألآن كمركبين. أنا مغرم بقمة رأسها، بالفرق المُنسَّق الذي يقسم شعرها إلى نصفين. أشعر بحنان تجاهه. أعاهد نفسي سرًا ألا يمس شعرة منها سوء.
لكن بعد ذلك نصل إلى نهر. إنه نهر عريض وغالبًا عميق. أجلس فوق شجرة على حافة النهر، ولا أستطيع إقناع نفسي بالنزول. ليس حتى من أجل ذلك الفرق في شعر المحققة الصغيرة. ترفع بصرها نحوي ثم تهز كتفيها وتقول: «أنت حر!».
أقول: «سأنتظر هنا».
هناك زوارق صغيرة لطيفة على ضفة النهر. يُقال إن المحققة الصغيرة تمشي على الماء، لكنني أراها تتسلل إلى أحد تلك الزوارق. إنه نهر شديد العذوبة والنقاء، ليس من النوع الذي ترغب في أن تغمس فيه أنامل قدميك، فقد تخلِّف آثارًا.
أراقبها وهي تقطع النهر. وأراها وهي تخرج إلى الضفة الأخرى. هناك ملهى ليلي في الناحية الأخرى، به شرفة فوقها لوحة كبيرة مكتوب عليها: «اُرْقُصْ مع الحسناوات». هناك امرأة تقف في الشرفة، وأناس يرقصون، وموسيقى تُعزف. وأنا فوق شجرتي أدندن بقدمي في الهواء. يقول أحدهم: «ماما؟».
شخص يعانق آخر. الجميع يرقصون. يقول أحدهم: «أين كنت؟».
ليجيبه آخر: «حملة التنظيف الربيعي».

17. ما يحدث على الجانب الآخر من النهر
يصعب رؤية ما يحدث على الجانب الآخر من النهر. هناك نُدُل صينيون يرتدون بذلات سهرة أنيقة يميِّلون أميرات راقصات للخلف. هناك كثير من التِرتِر. يرقصون بسرعة تجعل المشهد كله يتشوش. تتماهى الأشياء. أظن أني أرى تماسيح ترقص. أرى رجلًا عجوزًا بدينًا يرقص مع أم المحققة الصغيرة. ربما حتى مدبرة المنزل ترقص. يصعب معرفة ما إذا كانت أقدامهم تلامس الأرض حتى. أرى شرارات. ألعاب نارية. العازفون يرقصون أيضًا، لكنهم لا يتوقفون عن العزف. وأنا أرقص فوق شجرتي. تهتز الأوراق ويئن الغصن، لكن الغصن لا ينكسر.
نرقص لساعات. ربما لأيام. يصعب معرفة ذلك إذ يخيم الظلام طوال الوقت. ثم يأتي صف من الراقصين عبر النهر. يحجلون فوق ظهور التماسيح البيضاء التي تطبق فكيها على إثر كعوبهم. يشابكون أيديهم، ويلفون ويدورون ويخطون للخلف ويثبون للأمام. يصعب رؤيتهم، إذ يتحركون بسرعة شديدة. الظلام دامس هنا بالأسفل. هل هذه أميرة راقصة أم سارقة بنك؟ هل هذا عجوز بدين، أم تمساح، أم مدبرة منزل؟ ليتني أعرف. هل هذه المحققة الصغيرة أم أمها؟ تلتفت إحداهما لتنظر إلى الأخرى وتبتسم. لا تقول شيئًا، فقط تبتسم.
أنظر، فأراهم في الوهج الطحلبي يشبهون جميعًا المحققة الصغيرة. أو ربما المحققة الصغيرة هي التي تشبههم جميعًا. يبدون جميعًا سعداء. في الاتجاه المقابل، يمر صف من الندل الصينيين. يرقصون السوينج مع الصف الأول أثناء مرورهم. ثم يتداخل الصفان ويؤدي أفرادهما حركة «دوزي دو». يصفقون بأيديهم. يتشبث كل منهم بكتف الآخر وظهره، ويرقصون التانجو. لكن المحققات الصغيرات يتابعن طريقهن نحو المطعم ثم الحمَّام ثم الدَرَج السري. ويتابع النُدُل طريقهم نحو المياه ثم الملهى. هناك في ذلك الملهى، يوجد حمَّام. في ذلك الحمَّام يوجد دَرَج آخر. يعود النُدُل إلى بيوتهم للنوم.
أنا متعب. لا أقدر على مجاراة المحققات الصغيرات. أصيح: «مهلًا! انتظرن لحظة. أنا قادم معكن».
يلتفتن جميعًا وينظرن إلي. تدوخني كل تلك النظرات. أسقط من على شجرتي. أرتطم بالأرض. صدقًا، هذا كل ما أتذكره.
18. حين استيقظتُ
كان شخص ما قد حملني وأعادني إلى شجرتي وغطّاني جيدًا. كنت أنعم بالدفء كفرخ في عشّه. عدتُ إلى الشجرة المنتصبة في الجهة المقابلة لشارع نافذة المحققة الصغيرة. هذه المرة، كانت الستارة مسدلة، ولم أستطع رؤية أي شيء.
19. نهاية المحققة الصغيرة؟
يقول البعض إنها لم تعد قطّ من العالم السفلي.
20. عودة المحققة الصغيرة
اضطررتُ للذهاب إلى المطار لسبب ما؛ قصة طويلة. كانت قضية مهمة. لم يمضِ على ذلك وقت طويل. لم أكن قد نزلت من الشجرة إلا قليلًا، وكنت أفتقدها.
خُيل إليّ أنني رأيت المحققة الصغيرة في حانة مبنى الركاب (ب). كانت تجلس في إحدى المقصورات الخلفية، متخفية في هيئة رجل عجوز بدين. كان أمامها منديل ورقي مطوي على شكل زرافة. كانت تبكي، ومع وجود المنديل المطوي على شكل زرافة، لم تجد ما تمسح به أنفها. كنت على وشك الذهاب إليها لأعطيها منديلي، لكن شخص ما جلس بجوارها؛ طفلة في نحو الثانية عشرة من عمرها، ذات شعرٍ أحمر، وترتدي أوفرول. جلست بجوارها صامتة، ووضعت منديلًا آخر أمامها دون أن تنطق بكلمة واحدة. مخَّط العجوز أنفه بذلك المنديل، وحينها أدركتُ أنه لم يكن المحققة الصغيرة أبدًا؛ بل مجرد رجل عجوز. كانت الطفلة ذات الأوفرول هي المحققة الصغيرة… يا لبراعة تنكرها! ثم جاءت النادلة لتسجِّل طلبيهما. لم أكن متأكدًا من أمر النادلة، فربما كانت هي المحققة الصغيرة، لكنها رمقتني بنظرة حادة… ما اضطرني للنهوض والمغادرة.
21. لماذا نزلتُ من أعلى الشجرة؟
جاءت ووقفت أسفل الشجرة. كانت تشبه أمي كثيرًا. قالت: «انزل من أعلى هذه الشجرة حالًا! ألا تعلم أن موعد العشاء قد حان؟».
هذه الترجمة لقصة The Girl Detective للمؤلفة كيلي لينك هي المشروع الختامي لورشة الترجمة الأدبية خارج الغابة (أو داخلها) للميسِّرة آية نبيه.
عُقدت الورشة ضمن أنشطة مؤسسة المترجم في شهري نوفمبر وديسمبر عام 2025، وشارك في الترجمة عدد من حضور الورشة، إلى جانب أعضاء من مسار التعلُّم الموازي، والذين شاركونا القراءات عبر البريد الإلكتروني.
حرَّر الترجمة الزميلة العزيزة آية نبيه، وها هي مساهمات المترجمين:
مريم عرابي: الأجزاء 1 و2 و3 و4.
عاليا: الأجزاء 5 و6 و7 و8.
محمد مهنا: الجزآن 9 و10.
سهيلة زكريا: الأجزاء 11 و12 و13.
محمد الشهاوي: الجزء 14.
عنان عبد العظيم: الجزء 15.
فاطمة سعد الدين: الجزء 16.
سارة ياقوت: الجزء 17.
خلود كساب: الأجزاء 18و19 و20 و21.
مُترجمة من الإنجليزية إلى العربية، مهتمة بقراءة الأدب وبترجمته.
كاتبة وصف صوتي ومترجمة هاوية.
مترجم لغة إنجليزية مصري متخصص في ترجمة المحتوي المرئي وقارئ للأدب والتاريخ
مترجمة، تدرس مجال اللغات والترجمة.
كاتب ومترجم
محررة ومراجعة في مجال نشر الأدب المترجم
مترجمة وقارئة شغوفة بعلوم اللغة وأبحاثها.
مترجمة تعمل في ترجمة الأدب والعلوم والفلسفة
ما بين الأدب والألعاب، أنسج الحكايات بقلب شغوف.
كاتبة ومترجمة، حاصلة على ماجستير في الترجمة السمعية البصرية.