ترجمات

الظلام: كيف نصوغ الحكاية لجمهور مختلف؟

على مدار لقاءات ورشة الترجمة الأدبية: خارج الغابة (أو داخلها) للميُسِّرة آية نبيه، تساءلنا عن مدى تأثير الجمهور المستهدف على اختيارات المترجم، ومع مراعاة عدم وجود متلقٍ نموذجي، فإنَّ هناك سمات عامة قد تؤثر على قرارات المترجم، منها الفئة العمرية. ناقشنا ترجمة الروايات والمسرحيات الكلاسيكية إلى نسخ موجهة للأطفال أو المراهقين، واطَّلعنا على مثال من ترجمة آليس في بلاد العجائب -وهي رواية ليست موجهة حصريًا للصغار- إلى نسخة مختصرة ومبسَّطة من ترجمة وإعداد أحمد خالد توفيق. ثم طرحت ميسِّرة الورشة على المشاركين سؤالًا: ماذا لو بدَّلنا الاتجاه؟ أي ترجمنا قصة الأطفال The Dark للكاتب دانيال هاندلر، المعروف باسم ليموني سنيكت، إلى نسخة موجهة للكبار. واقترحَت عليهم الخروج من قيود ما تمثله كلمة «ترجمة» لدى كل منهم، والتفكير في هذا التدريب باعتباره «إعادة إنتاج»، والتأمل في تأثير الفئة العمرية للمتلقي على اختيارات الكاتب اللغوية والأسلوبية ونبرته، وشخصيات القصة، واحتفاظها برمزيتها من عدمه… إلخ، على أن يختار كل مترجم أسلوب المعالجة الذي يراه مناسبًا سواء تضمَّن تغييرات طفيفة أو جذرية أو ما بينهما.

فيما يلي مثالان نتجا عن هذا التدريب، مع التعليق. في المثال الأول اختارت المترجمة البقاء على مسافة قريبة من النص الأصلي، وفي الثاني اختارت المترجمة الابتعاد عنه والاستلهام منه لكتابة قصة قصيرة.


الظلام

ترجمة: عاليا عادل

كان لازلو يهاب الظلام الذي يقبع معه في منزله الكبير حيث السقف ذو الصرير، النوافذ الملساء الباردة والسلالم المتعددة. أحيانًا كان الظلام يختبئ في الخزانة وأحيانًا أخرى كان يجلس خلف ستارة الحمام ولكنَّه غالبًا ما كان يقضي وقته في قبو المنزل. كان الظلام ينتظر طوال اليوم في ركنٍ ناءٍ، بعيدًا عن صرير الغسالة وخشخشتها، ملتصقًا ببعض الصناديق القديمة الرطبة وخزانة أدراج لم تُفتح من قبل، وبطبيعة الحال مع حلول الليل يخرج وينتشر منبسطًا فوق نوافذ وأبواب منزل لازلو؛ لكنَّه نهارًا يعود إلى القبو حيث ينتمي. كان لازلو يلقي عليه نظرات خاطفة في كل صباح ويقول: «أهلًا. أهلًا أيها الظلام». 

ظن لازلو أنَّه إن زار الظلام في حجرته بالأسفل فربما يمتنع عن زيارته في غرفة نومه بالأعلى ولكن في إحدى الليالي، حضر الظلام ونادى في وسط العتمة: «لازلو». كان صوته يماثل صرير سقف المنزل ويشابه نعومة النوافذ وبرودتها، وبالرغم من أنَّه كان يجاور لازلو، بدا صوته بعيدًا جدًا. 

سأله لازلو: «ماذا تريد؟». 

فأجاب الظلام: «أريد أن أُريك شيئا». 

«أيقع هنا؟». 

أجاب الظلام: «ليس هنا». 

«ماذا عن هناك؟». 

«لا، لا، بالأسفل». 

«الأسفل؟». 

رد الظلام: «نعم».

تقع أكبر نافذة في المنزل في غرفة معيشة لازلو، فنظر للظلام المخيِّم خارجها. صرَّ السقف فوقه، فأغمض عينيه وأمسى لا يرى سوى الظلام. 

كرر الظلام: «لا، لا، ليس هناك بل هنا بالأسفل». 

تساءل لازلو: «في قبو المنزل؟». 

فأجاب: «نعم». 

لم يجرؤ لازلو من قبل على دخول حجرة الظلام ليلًا.

 خاطبه الظلام قائلًا: «اقترب»، فاقترب. فاتبع الظلام: «اقترب أكثر». 

قد تكون خائفًا من الظلام لكنَّه لا يخافك، لذا فهو دائمًا في الجوار. يلقي عليك نظراتٍ عن كثب، وينتظر خلف الأبواب؛ ويمكنك أن تراه تقريبًا كل ليلةٍ في السماء حين يحدق بك وأنت تنظر إلى النجوم. لولا السقف ذو الصرير، لهطلت الأمطار على فراشك، ولولا النوافذ الباردة الملساء لما استطعت رؤية الخارج، ولولا السلالم لما نزلت إلى قبو المنزل أبدًا حيث يقضي الظلام وقته، ولولا الخزانة، لما وجدت مكانًا لحذائك، ولولا ستارة الحمام، لتطايرت قطرات الماء في أنحاء الحمام. ولولا الظلام لما استطعت أن ترى النور ولما علمت أنَّك بحاجة إلى لمبة.

قال الظلام: «الدُرج السفلي». 

«ماذا تقول؟».

كرر الظلام كلامه مجيبًا: «الدُرج السفلي. افتح الدرج السفلي».

قال لازلو: «شكرًا لك». ورد الظلام: «على الرحب والسعة».

عندما عاد لازلو لفراشه، كان الظلام قد غادر الغرفة فلم يره إلا حين أغمض عينيه للنوم. وفي صباح اليوم التالي، زاره لازلو في القبو وألقى التحية قائلًا: «أهلًا، أهلًا أيها الظلام». لم يتلق ردًا ولكن الدرج السفلي لخزانة الأدراج ظل مفتوحًا ليتخذ شكل ابتسامة في الزاوية. ظل الظلام يعيش مع لازلو لكنَّه توقف عن إثارة قلقه. 

تعليق المترجمة

النص الأصلي مكتوب بنبرة طفولية: جمل قصيرة وبسيطة وتكرار أسماء. لأجل تهيئتها للبالغين، حافظت على قربي من الأصل مع تعديلات طفيفة فأطلت بعض الجمل وأضفت إلى أخرى أدوات ربط وعلامات ترقيم. تجنَّبت تفصيل أجزاء الصور؛ رغبت أن تظل الترجمة مرئية كما في الأصل باستخدام رسومات جون كلاسن لأنني أُفضل الكتب التي تجمع بين الصورة والكلام، ولأنَّ شخصية لازلو تخاطب طفلي الداخلي. أؤمن أن لدى كل قارئ بالغ طفلًا قد تمسه هذه القصة.


الظلام

ترجمة: فاطمة سعد الدين

انتهى الحفل الأسبوعي الذي اعتاد فرانك إقامته في شقته منذ وفاة شقيقته، كان الجميع يأتون لزيارته بشكل دوري بعد الحادث لكنَّه قرَّر أن تصبح هذه الزيارة حفلًا أسبوعيًا، يجتمعون في شقته الضيقة ذات الستائر السميكة والنوافذ الضيقة، والأرائك الداكنة، يشربون ويلهون وأحيانًا يشاهدون فيلمًا، ويغادرون بعد منتصف الليل. لكن في هذه الليلة قرروا الرحيل مبكرًا عن المعتاد، وكعادته بعد أن غادروا، ترك مصابيح المنزل كلها مضاءة، وعددًا من مشغلات الصوت، كان ثملًا في هذه الليلة، سار وسط فوضى الحفل -علب معدنية وأعقاب سجائر وأكياس بلاستيكية في كل مكان- باحثًا عن قداحته، لكن فجأة انقطع التيار الكهربائي، وخيَّم الصمت والظلام. انتاب فرانك الذعر، فهرول وسط الفوضى -التي لم تترك موضع قدم- ليبحث عن شموع، لكنَّه تعثر وسقط، واصطدم رأسه ففقد الوعي على الفور.

شعر بحضور ما، وصوت أنفاس، وجسم ما جالس بجانبه، ارتعد في البداية، لكن بعد ثوان فقط سمع صوتًا غريبًا قادمًا من عمق بعيد، لم يشك لحظة أنَّ هذا الكيان هو مصدره، كان صوتًا رخيمًا وعريضًا، لم يشبه أي صوت سمعه من قبل، لكنَّ حنانًا ما به جعل سكونًا وارتخاءً يسري في كل أعصاب وعضلات جسمه، حتى عينيه وفكِّه، لم يفهم ولم يتذكر ما قاله له، سوى أنَّه ألقى عليه التحية، كان ذهنه منشغلًا في محاولة التحديق في الوجه، ومعرفة من هو صاحبه، لكنَّه لم يستطع.

وما هي إلا ثوانٍ حتى هبَّت عاصفة قوية فتحت مصاريع النافذة الطويلة والوحيدة أيضًا بالغرفة؛ لينساب خيط من الضوء الأبيض الشفّاف إلى الداخل، ويحدِّق فرانك في الوجه ليجد أنَّه… هو.

إنَّه فرانك، الهيئة نفسها والجسد نفسه، وحتى الثياب، هو أيضًا يحدِّق فيه، انتاب فرانك الرعب لكنَّ الصدمة جعلته غير قادر على الحركة أو حتى الصراخ، وبعد ثوانٍ استجمع قوته، وبدأ في التفرُّس أكثر في وجهه، في التجاعيد حول عينيه، والشيب الذي كسا رأسه، وشحوب وجهه، كان مندهشًا من كل التفاصيل التي لم يلحظها من قبل قط.

دوى برق في السماء فجأة ومعه عاصفة باردة قوية أغلقت النافذة، وعاد من بعدها التيار الكهربائي، ثم بعد لحظات، أفاق فرانك ليجد نفسه لا يزال ممدًا على الأرض، لكنَّ الفوضى حوله اختفت، وعاد كل شيء مكانه، وسكتت أصوات الموسيقى.

تعليق المترجمة

سواءً كنت قارئًا مهتمًا بالأعمال المترجمة، أو تعمل مترجمًا للأعمال الأدبية، ربما ستجد في هذه السطور ما يثير انتباهك.
بالطبع إنَّ الحديث عن دور المترجم ومتى يبدأ دوره وينتهي، هو حديث لا ينتهي، بل إنَّه قديم قدم العلوم الإنسانية كافة، لكن هذه السطور ما هي إلا إعادة إنتاج لقصة The Dark الموجهة في الأساس للأطفال، أعيد إنتاجها لتناسب البالغين والكبار، ربما اعتمدت أكثر على مفهوم الظلام بالنسبة لعالم الكبار، ومرادفاته من الوحدة ومواجهة ظلالنا، ويختلف الأسلوب هنا في اللجوء أكثر إلى الترميز والمجاز عن التصريح والمباشرة كما جاء في القصة الأصلية. ألهمني إلى هذا العمل التدريب الذي شاركته معنا مُيسِّرة الورشة آية نبيه، ونقاشاتنا معها على مدار شهرين حول دور المترجم وموقعه من النص الأصلي.


كاتبة وصف صوتي ومترجمة هاوية.

مترجمة وقارئة شغوفة بعلوم اللغة وأبحاثها.

كاتبة ومترجمة، حاصلة على ماجستير في الترجمة السمعية البصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *