ترجمات

السبيل إلى هزيمة الزهايمر ليس الأدوية.. لكن أسلوب حياتك

في صيف عام 2016، نشرت مجموعة بحثية من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) نتائجها لطريقة علاج جديدة لمرض الزهايمر دون إثارة ضجة. ما وجدوه كان مدهشًا. فرغم صِغر حجم الدراسة، إلا أن كل المشتركين أظهروا تحسنًا ملحوظًا، لدرجة أن نتائجهم جميعًا تقريبًا في اختبارات الذاكرة والإدراك كانت ضمن النطاق الطبيعي عند نهاية الدراسة. ومن الناحية العملية، هذا يعني أن العلاج يرقى إلى كونه علاجًا شافيًا.

هذه النتائج البحثية مهمة، ليس لأنَّ من المتوقع أن يكون مرض الزهايمر أكثر شيوعًا مع تقدم السكان في السن، ولكن أيضًا لأنَّ خيارات العلاج الحالية لا تحقق سوى تحسنٍ طفيف في أحسن الظروف. ففي شهر يوليو عام 2016، وجدت تجربة سريرية كبيرة أنَّ تعاطي عقارٍ جديد بارز يسمى LMTX لا يقدم للمرضى سوى فائدة ضئيلة. تبع ذلك فشل عقار واعد آخر في تجربته السريرية الأولى. هذا العقار كان مصممًا لاستهداف بروتينات الأميلويد (النشوية)، وهي من السمات المميزة لمرض الزهايمر. وفي عام 2017، أعلنت شركة «مِرك» Merck عن نتائج تجربة عقارها المسمى verubecestat، المُصمَّم لتثبيط تكوُّن بروتينات الأميلويد. ووُجِد فيها أنَّ العقار لم يحقق نتائج أفضل من الدواء الوهمي.

نتائج جامعة كاليفورنيا لم يكن سببها عقار مذهل جديد أو اكتشاف طبي عظيم، إنما ترجع إلى استخدام الباحثين بروتوكولًا يتضمن مجموعة متنوعة من التعديلات على أسلوب الحياة لتحسين عوامل الأيض (التمثيل الغذائي) المرتبطة بمرض الزهايمر إلى الحد الأمثل، مثل الالتهاب ومقاومة الإنسولين. نُصِح المشاركون بتغيير نظامهم الغذائي من خلال تناول الكثير من الخضراوات وممارسة التمارين، وتطوير أساليب لمعالجة الإجهاد وتحسين النوم، إلى جانب تدخلات علاجية أخرى، وكان نقصان الوزن هو العرض الجانبي الأكثر شيوعًا.

هذه الدراسة هامة ليس لنتائجها البارزة فقط، ولكن أيضًا لأنَّها تمثل نموذج علاج بديل لمرض معقد ومزمن. لقد أنفقنا مليارات الدولارات على جهود فهم الأسس الجزيئية لمرض الزهايمر، على أمل أن تقودنا تلك الجهود إلى علاج شافٍ، أو، على الأقل، طرق علاج أكثر تأثيرًا. ورغم أننا وسَّعنا معرفتنا بالمرض، فإنَّ هذا لم يسفر عن الكثير من طرق العلاج الناجحة.

وضْعُ مرض الزهايمر يشابه الكثير من الأمراض المزمنة الأخرى التي نعاني منها، مثل مرض السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، وإن لم يكن بنفس الدرجة. رغم وجود أدوية فعالة لهذه الأمراض، فإنَّها لا تعمل بطريقة مثالية، ولها تأثيرات سلبية. ومع عمق فهمنا للعمليات الخلوية المسببة للزهايمر، فإنَّ التمكن من توظيف هذه المعرفة على المستوى التطبيقي، وهو الهدف المراد تحقيقه لإنتاج العلاجات الشافية، ما زال بعيد المنال. 

إدراكًا لهذه الصعوبات، لجأ باحثو جامعة كاليفورنيا إلى أسلوب علاج مختلف. بدءًا من افتراض أنَّ مرض الزهايمر هو تجسيد محدد لنظام فائق التعقيد في حالة فوضى، سعى الباحثون لتحسين هذا النظام عن طريق تغيير مدخلاته. بعبارة أخرى، اختار العلماء تجاهل الأسس الجزيئية لمرض الزهايمر، التي أرهقت الباحثين، والتركيز على السياق المحيط بهذه الأسس. ورغم عدم معرفتنا بكيفية عمل هذه التدخلات العلاجية على المستوى الخلوي، فإنَّ الأمر المهم هو أنَّها ذات تأثير فعال.

هذا المنهج العلاجي ليس جديدًا كليًا. فقد بيَّن الباحثون سابقًا أنَّ التدخلات العلاجية المتعددة الأوجه والشاملة لتعديل أسلوب الحياة أدت إلى نتائج أفضل بكثير في علاج أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وارتفاع ضغط الدم. لكن من الصعب أن تلقى هذه الأساليب العلاجية رواجًا لسببين. السبب الأول هو أنَّ تنفيذ هذه البروتوكولات أصعب من مجرد تناول حبة دواء عند النوم فحسب. فالمرضى يحتاجون إلى تعليم وإرشاد ودعم مستمر لتحقيق تغييرات مُجدية. أما السبب الثاني هو أنَّ العلاج بالأدوية متأصل بعمق في النظام الطبي الحالي، وشركات التأمين تقوم على أساس سداد ثمن الأدوية، وليس ثمن تغيير أسلوب الحياة، والأطباء يدرسون علم الأدوية وليس علم التغذية.

رغم هذه التحديات، حان الوقت لتناول هذه الأساليب العلاجية بجدية أكبر. فمن المتوقع أن يتضاعف انتشار مرض الزهايمر ثلاث مرات في خلال العقود الثلاثة المقبلة، ليصل عدد الحالات إلى 14 مليون مصاب تقريبًا في الولايات المتحدة وحدها. كما يُتوقع أن يتخذ انتشار مرض السكري والأمراض المزمنة الأخرى مسارًا مشابهًا. مواجهة وباء الأمراض المزمنة هذا باستخدام الأدوية فقط سيؤدي إلى ظهور مجموعة جديدة من المشاكل، من التكاليف الباهظة إلى التأثيرات الضارة للأدوية، دون معالجة الأسباب الرئيسية لهذه الأمراض. ونحن نعرف أنَّ التعديلات الشاملة لأسلوب الحياة فعالة في الكثير من الأمراض المزمنة، وفي بعض الأحيان تكون لها نفس فاعلية الأدوية. هذه التعديلات في أسلوب الحياة تستحق أكثر من مجرد إشارة عابرة لها في نهاية الفحص الطبي السنوي. وحان الوقت لإعطائها دورًا أساسيًا في علاج مرض الزهايمر، وكل الأمراض المزمنة.


هذا المقال مُترجم عن مجلة «إيون» Aeon، كتبه كلايتون دالتون، وهو طبيب تخرَّج في كلية الطب بجامعة كولومبيا. وقد حرَّر المقال الأصلي المحررة بام وينتروب.

نُشرت بواسطة أحمد البنا

متخصص في كتابة ومراجعة المحتوى التعليمي العلمي، حاصل على ماجستير في علوم الحياة الطبية، وشغوف بعلم الأحياء الجزيئي وبمعرفة كل التروس الصغيرة التي تحرك العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *