ترجمات

فيستا دي ماري: التوطين والتغريب في رؤية فينوتي

مقدمة المحررة

على مدار لقاءات ورشة الترجمة الأدبية: خارج الغابة (أو داخلها)، نتأمل في عدة نماذج من استراتيجيات الترجمة التي قدَّمها منظرون وباحثون في المجال، منها نموذج لورانس فينوتي المستند إلى استراتيجيتي التغريب Foreignization والتوطين Domestication. يرى فينوتي أنَّ التوطين هو الاتجاه السائد في سوق الترجمة، خاصة في المناطق الأنجلو-أمريكية، وبواسطته يحاول المترجم أن يقلل -وربما يمحو- غرابة النص المصدر، ثقافيًا وأسلوبيًا ولغويًا، بهدف إنتاج ترجمة تبدو كنص أصلي، وهو ما أدى إلى ما أسماه بـ «خفاء المترجم». أما في التغريب، فيحافظ المترجم على ثقافة النص المصدر غير المألوفة لقارئ النص الهدف، وأيضًا التراكيب المميِّزة للغة النص المصدر، متى أمكن ودون التضحية بسلامة المعنى، فيدرك القارئ أنَّه أمام نص مترجَم يعلن فيه المترجِم صراحة عن وجوده. ويؤيد فينوتي استراتيجية التغريب إذ يرى فيها تمردًا على الهيمنة الثقافية وثقافة السوق السائدة التي تعمد إلى إخفاء المترجم بإنتاج ترجمة تتميز بما يطلق عليه «الشفافية الزائفة». وجدير بالذكر أنَّ استراتيجيتي التوطين والتغريب لا تُطرحان بوصفهما نقيضين، بل استراتيجيتين تقعان على طيف متصل.

بعد اطِّلاع المشاركين على نموذج فينوتي ومناقشة آرائه في أحد لقاءات الورشة، طُلب منهم ترجمة قصة قصيرة في ضوء نموذج فينوتي، وفيما يلي مشاركة مريم عرابي في هذا التدريب بترجمة قصة Vista di Mare للكاتب ستيوارت دايبك مع تعليقها.

فيستا دي ماري1

في جينوا، بينما تحزمُ أغراضها لتغادر، يقولُ لها إنَّه لا يريدُ لعلاقتهما أن تنتهي، لتردَّ بأنَّه لو كان يعرف حقًا ما يريد لما كانت مُغادرةً.

وحده يكملُ طريقَه على امتداد الساحل نحو روما، لكنَّه يترجَّلُ من القطار مُندفعًا عند محطة يطلُّ فيها حقلٌ من زهور عباد الشمس على البحر. على مقرَبة من الشاطئ، يرى صيَّادين يُجهزَّان شِباكهما.

يمشي على ممرٍ يشقُّ بساتين الزيتون والليمون وكروم العنب المزروعة على مُدرَّجات جبليَّة. في جينوا تخفَّف من أمتعته إلى القدر الذي تتسع له حقيبة ظهر. يتعرَّق تحت كتفيها ويُفكِّر أنَّ هكذا كانت لتصير جولته حول أوروبا وهو شاب. في الجامعة كانت له حبيبةٌ أرادت أن يسافرا معًا. رُبَّما أحبَّ أن يذهب لكنَّه خاف أن يبدو هذا تطوُّرًا سابق الأوان لعلاقتهما، والتحق بوظيفةٍ عوضًا عن ذلك. يتوقَّف إلى جانب جُرف ليشاهد طيور النَّورَس وهي تُحلِّق مُعتمدة على تيَّارات الهواء الصاعدة، ويتساءل إن كان قد عرِفَ يومًا ما هو أكثر ما أراده. ثم يتبادرُ إليه دفقٌ كالدمع أنَّه، ولمرة واحدة على الأقل، يعرف: يريد هذا، أن يكون هنا الآن، في اللحظة التي ينظر فيها إلى البحر.

تتدرَّج البلدة المنحوتة على طول الجبل مثل كروم العنب؛ شوارع بمُدرَّجات مرصوفة بالحصى. يريد أن يمكُث هنا حيثُ وجد إلهامه، وحيثُ ليس هناك ما لا يطلُّ على البحر، لكنَّ البنسيون الوحيد مغلق بسبب حالة وفاة. في أحد المطاعم، يطلبُ زجاجة مياه معدنيَّة وتينًا بالبروشوتو2. يعرف النادل بعض الإنجليزية ويُحدِّثه عن شقة للإيجار، لكنَّها قد لا تكون سكنًا يحبُّ المكوث فيه.

يسألُ: «لِمَ لا؟».

«ليس هناك فيستا دي ماري». يقولُ النادل بلغة العارف: «كلُّ الأمريكيين يريدون فيستا دي ماري. ولهذا السبب هي رخيصة جدًّا». 

يسأله: «علامَ تطلُّ إذن؟».

«على الجبال».

تعليق المترجمة

يُقصد بالتوطين نقل النص من اللغة المصدر مع تقليل غرابته ليصبح كأنَّه مكتوبٌ لا مُترجمٌ ويختفي المُترجم من المشهد. في هذه الاستراتيجية يهتم المترجم في المقام الأول بسلاسة قراءة النص المُترجم مع أخذ ثقافة المُتلقِّي في الاعتبار. أمَّا في التغريب فينقل المُترجم النَّص واضعًا في أولوياته إبراز اختلاف القيم الثقافية بين عالمي النصين، مع الإبقاء على غرابة السَّرد والصياغة حتى لو تطلَّب ذلك في بعض الأحيان استخدام تراكيب غير مألوفة في النص المُترجَم. يرى فينوتي أنَّ المُترجِم حين يتبع استراتيجية التوطين فهو يُقرِّب النص ومؤلفه إلى القارئ قدر الإمكان ليمنحه تجربة قراءة سهلة. بينما في التغريب، يُدعَى القارئ إلى بذل المجهود للاقتراب من النص ومن المؤلف؛ أي «يُسافرُ القارئ إلى الخارج».

في هذه القصة، اختار الكاتبُ مكان الأحداث في إيطاليا؛ جينوا والطريق المؤدية إلى روما. هكذا، اختار استخدام كلمات إيطالية في قصته المكتوبة بالإنجليزية، بدايةً بعنوان القصة الذي يوحي للحظات بأنَّك ستقرأ قصةً مكتوبة بالإيطالية. ليُصبح أسلوب النص فيه غرابة؛ الكلمات الأجنبية والمكان الأجنبي. ويُصبح صوت النص مُرشدًا في اختيار الاستراتيجية المُتبعة لترجمته؛ التغريب.

استعرتُ الكلمات الإيطالية ونقلتها بحروف عربيَّة. لكن، ولأنَّها لن تكون مفهومة للقارئ، استعنتُ بالهوامش لشرح معناها. وترجمتُ بعض الجمل ترجمة حرفية، أي كلمة بكلمة، دون الإخلال بسلاسة النص أو جعله ركيكًا، في جمل مثل (وحده يكملُ طريقَه – في جينوا تخفَّف من أمتعته – على مقرَبة من الشاطئ، يرى صيَّادين – في الجامعة كانت له حبيبةٌ).

وكما يرى فينوتي، فإن استخدام إحدى الاستراتيجيتين لا يُعارض استخدام الأخرى، ولأنَّ بعض الجُمل لن تكون ذات معنى إذا تُرجمت كلمة بكلمة، فلم أتخلَّ عن التوطين تمامًا. استخدمتُ التغريب على مستوى الأسلوب والصياغة، والتوطين على مستوى اللغة وقواعدها (مثل التقديم والتأخير)؛ الترجمة الحُرَّة في حالة التوطين والترجمة الحرفيَّة في التغريب، دون أن يُخِلَّ الجمع بينهما بتجانس النَّص.


  1. تعبير إيطالي معناه إطلالة على البحر. ↩︎
  2. طبقٌ إيطالي من لحم فخذ الخنزير المجفف. إحدى طرق تقديمه أن يُلف حول التين ويُقدَّم كنوع من المقبلات. ↩︎

مُترجمة من الإنجليزية إلى العربية، مهتمة بقراءة الأدب وبترجمته.

كاتبة ومترجمة، حاصلة على ماجستير في الترجمة السمعية البصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *